مقال للدكتور نبيل فاروق هام جدا الرجاء قراءته

التفكير نتيجته التكفير

هذه المقالات ستثير حتماً موجة من الغضب والاعتراض، أكبر من أية مقالات سابقة، وربما آتية (والله أعلم)..
وليس هذا لأنها تخالف الآداب..
أو المنطق..
أو العقل..
أو حتى الدين..

بل لأنها -وبكل بساطة- ستخالف تلك المفاهيم الخاطئة عن الدين، والتي ظل شباب هذا الجيل يسمعونها، ويرونها، ويردِّدونها، حتى صار قسم كبير منهم (وليس كلهم)، يكاد يجزم بأنها حقيقة، دون أن يُعمل عقله لحظة واحدة..
ربما لأن ذلك السيل الرهيب من الفضائيات “المتأسلمة”، قد سيطر على عقله، وهيمن على كيانه، فلم يترك له مساحة للتفكير وإعمال العقل..
أو لأنه، من أجل السيطرة على العقول، أوهم البعضُ شبابَ العصر، بأن التفكير مكروه، وربما حرام أيضاً..
واكتفى الشباب بما سمعه..
وأغلق عقله..
وكيانه..
وتفكيره..

وكما أمروه أو أقنعوه، أطاع بلا مناقشة..
العقل يقول إن الطاعة العمياء ليست أمراً..
وربما لا تكون مطلوبة أحياناً..
وخاصة طاعة البشر..
فالبشر، مهما بلغت مكانتهم.. مجرد بشر..
بشر يصيبون..
ويخطئون..
ويتجاوزون..
ويعْدلون..
ويظلمون..

والأدهى، أنهم بشر، ينفعلون، وكثيراً ما تأتي قراراتهم وتصرفاتهم وليدة الانفعال..
أو الغضب..
أو حتى الرغبة في حماية من يحبون..
أو ما يحبون..
أو ما يعتنقون..
فهم حتماً، ليس لديهم ذلك العدل الإلهي المطلق..
لأنهم بشر..
مجرَّد بشر..
هذا ما نسيه أتباعهم، الذين أطاعوهم، ونفَّذوا ما أمروهم به، باعتبار أنهم كلمة الله سبحانه وتعالى في الأرض، على الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه كان هناك من يخالفه الرأي، لو رأى في مخالفته نفعاً للأمة وصيانة لها..
ما من بشري معصوم من الخطأ..
ما من بشري.. على الإطلاق..
وهذا يعيدنا إلى قضية الطاعة..
وخاصة فيما يضر..

ففي بعض الأحيان، تمتزج المشاعر الشخصية، والانفعالات الحياتية بالعقيدة، وحتى نمنح أنفسنا شرعية إفراغ مشاعرنا أو انفعالاتنا، نقنع أنفسنا بأن هذا ليس مزيجاً، وإنما هو العقيدة نفسها..
وفي غمرة هذا، قد ننسى العقيدة..
أو ما أمرنا به خالقنا عزَّ وجلَّ..
فالله سبحانه وتعالى أمرنا دوماً بكل ما هو جميل، وكل ما فيه الرحمة والمغفرة والحب، هذا ما بهر غير المسلمين، في أزهى عصورهم..
السماحة..
والحب..
والرحمة..
والتواضع..
ولكن في العقود الثلاثة الأخيرة، انقلبت الصورة فجأة رأساً على عقب..
ظهر جيل جديد، يدعونا إلى الغضب..
والكراهية..
والمقت..
والانتقام..
والعنف..
والقهر..

والأسوأ أنه وضع كل هذا في بوتقة العقيدة، وحاول إقناع كل من يستمع إليه، بأن ديننا يدعونا إلى كل تلك المشاعر السلبية، التي أطلق عليها زيفاً وبهتاناً لقب الجهاد، على الرغم من أن الجهاد الأكبر، كما علمنا رسولنا الكريم، هو جهاد النفس..
وجهاد النفس يعني كظم الغيظ..
وكبت الغضب..
ومقاومة الانتقام..
وقتل الغل في النفوس..
ولكن ذلك الجيل الجديد، خالف كل ما أمر به أعظم الأديان، وطالب مستمعيه بإطلاق العنان لمشاعرهم وغضبهم وانفعالاتهم، دون أن يدرك أن كل تلك المشاعر أشبه بوحش كاسر، لو انطلق من عقله، فلن يحدد له هدفاً، وإنما سينطلق متعطشاً للدم، متلهفاً للتدمير والانتقام، شغوفاً بأن يحطم ويؤذي خصمه..
ولو أننا راجعنا أي كتاب بسيط، عن تاريخ الإسلام؛ لأدركنا أن تلك المشاعر العنيفة والسلبية، لم تكن أبداً جزءاً منه..
بل على العكس، كانت ضده..

وعلى طول الخط..
هذا لأنه حتى الجهاد، يحتاج في البداية إلى أن نعد لهم ما استطعنا من قوة، ومن رباط الخيل..
ولكننا لا نفعل..
بعضهم يتصوَّر أنه، لمجرد أنه يستورد أسلحة من الغرب؛ ليقاتل بها الغرب، فقد نفذ بهذا ما أمره به خالقه عزَّ وجلَّ، وأعدّ لهم ما استطاع من قوة!!..
فماذا لو أنهم أعطوه يوماً ما أسلحة بدائية، أو صغيرة، وطوَّروا هم بالعلم والعقل والمعرفة أسلحة رهيبة، قادرة على سحقه وتدميره فيما بعد؟!
ماذا لو أنهم واصلوا تطوَّرهم؟!
وواصل هو الاستعانة بهم؟!
من سيصبح الأقوى بعد عشرة أعوام؟!
ومن سيسود بعد مائة عام؟!
من يصنع ويطوِّر السلاح، أم من يحصل عليه كمنتج نهائي؟!
المعادلات كلها معكوسة..
ومقلوبة..
ومخالفة للعقل والمنطق والتفكير المرتب السليم..
هذا لأننا، في الواقع، لم نحسبها..
ولم ندرسها..
ولم ندرك أنه هناك في النهاية، حساب..

***

ما مِن شك في أن كلاً منا يُدرك أن هناك حساباً..
ويُدرك أنه حساب عادل..
وكل منا -بكل تأكيد- ينتظر يوم الحساب..
ويخشاه..
ولأننا نخشى يوم الحساب، فنحن نبذل قصارى جهدنا، حتى نتجاوزه في سلام؛ لأن العكس رهيب..
ومخيف..
وأبدي..
وهذه ليست المشكلة؛ لأننا جميعاً نتفق فيها..
ففيمَ نختلف إذن؟!
الواقع أننا، بخلاف إيماننا بحتمية وعدل الحساب، نختلف حول الحساب نفسه، حتى في أسلوب تعاملنا معه..
فبعضنا يبتسم في وجوه الآخرين، مدركاً أن الابتسامة صدقة، وكل صدقة تمنحك ثواباً، وكل ثواب يزيد من حسناتك، ويُخفف من سيئاتك، ويزيد من فرص دخولك الجنة..
وبعضنا يتجهم في وجوه الآخرين، متصوّراً أن الابتسام ينقص من قدره، ويُقلل من قيمته، ومن احترام الناس له..

أو يتصوّر أنه بهذا يتفادى لهو الحياة..
وينغمس في ملكوت الخالق عزّ وجلّ..
ويزيد من حسناته..
ومن ثوابه..
ومن فرص دخوله الجنة..
كلاهما إذن استهدف الأمر نفسه..
وكلاهما سعى للثواب نفسه..
وكلاهما تمنّى دخول الجنة..
ولكن كل منهما سار على عكس الآخر تماماً..
وهناك من يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويتعامل مع من يدينون بديانات أخرى برفق، ودون أن يكون فظًّا أو غليظ القلب؛ لأنه يرى أن الناس تؤمن بدينه، إذا ما شاهدت منه كل جميل، وعهدت فيه كل رفق ورحمة..

وآخر يرى أن غيرته على دينه تحتم عليه أن يكون شرساً عنيفاً غليظ القلب، مع كل من يدين بدين آخر..
وأن يتجهم في وجوههم..
ويعترض شعائرهم..
ويهاجم طقوسهم..
بل ويتمادى البعض إلى تصوّر أنه من الضروري أن يكرههم؛ حتى يُثبت لنفسه -قبل الآخرين- أنه يؤمن بدينه..
الذي تعامل في رفق فعلها من أجل دينه..
والذي تجهم في غلظة أرادها من أجل دينه..
ولكن مَن منهما على صواب؟!
مَن؟!
ومرة أخرى.. مَن؟!
هذا ما نختلف عليه كلنا، وما نتصارع من أجله، وما ننسى ديننا نفسه، ونحن نقاتل في شراسة لتأكيده..
والسؤال هو: لماذا؟!
المنطق العقلاني للأمور يقول: إنه لحسم مثل هذا الخلاف، علينا أن نعود إلى المنهج الذي ينبغي أن نسير عليه، وإلى الدستور الذي ينبغي أن نلتزم به..
والدستور هنا واضح صريح، وأتى فيه أسلوب التعامل الشرعي واضحاً مباشراً..
وبفعل أمر أيضاً..

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..
وقبل أن نناقش عظمة الآية، وكل كلمة منها، دعوني أطرح سؤالاً هاماً للغاية..
من سندعو إلى سبيل ربنا سبحانه وتعالى بالضبط؟
الذين آمنوا به وبدينه، أم الذين لم يؤمنوا به وبدينه؟
الجواب يبدو واضحاً صريحاً..
سندعو إلى سبيل ربنا عزّ وجلّ، من لم يهتدِ إليه بعد..
وما الذي يقودنا إليه هذا؟!
ببساطة.. الآية تدعونا إلى أن ندعو غير المؤمنين، إلى سبيل الله عزّ وجلّ بالحكمة..
وبالموعظة الحسنة..
والحكمة هنا أمر يستلزم الكثير..
والكثير جدًّا..
فالحكمة أوّلاً، تتعارض مع الغضب والانفعال والتعصّب والحدّة..
الحكمة تعني هدوء النفس..
وحساب الأمور في تروٍّ..
ودراسة أبعاد كل موقف وكل تصّرف..
ونتائجه أيضاً..
ليس على المدى القريب فحسب، ولكن على المدى البعيد أيضاً..
والبعيد جداً أيضاً..
ولديّ هنا مثال، لن أملّ مِن ترديده وتكراره أبداً..
رسول الله “صلى الله عليه وسلم” عندما فتح مكة، وأتى بمن عذّبوه، وعذّبوا قومه، وكل من آمن بربه العلي القدير، وأخرجوهم من ديارهم..
أتى بهم أمامه، وهو في موقف المنتصر..
هو عزيز..
وهم أذلة..

الذين ينادون بالغضب والعنف من أجل الدين، لو كانوا في هذا الموقف لأطلقوا لنزعاتهم العنان، ولقتلوا وعذّبوا، وقطعوا الرقاب، وضربوا الأعناق؛ انتقاماً لما فعل هؤلاء بقومهم..
ولكنه، صلوات الله وسلامه عليه، التزم بدستوره العظيم..
بالحكمة والموعظة الحسنة..
لقد وقف أمامهم، يسألهم: “ماذا تظنون أني فاعل بكم”؟!
وفي انكسار ومذلة، أجابوه: “أخ كريم، وابن أخ كريم”..
أي إنهم كانوا يستعطفونه الرفق بهم، مدركين أنهم لو كانوا في موضعه لما عفوا أو رحموا..
فهذه كانت شيمتهم..
وهكذا كانوا يروْن سبيل حماية معتقداتهم..
ولكنه فاجأهم بدستور دينه الجديد..
فاجأهم بدين الرحمة..
والحكمة..
والتروّي..
وكظم الغيظ..
والعفو عند المقدرة..
فاجأهم، وهو يقول لهم: “اذهبوا، فأنتم الطلقاء”..
فاجأهم..
وبهرهم..
وألجم ألسنتهم..
وأطلق عقولهم بفكرة واحدة..

أي دين هذا، الذي تبلغ فيه الرحمة والسماحة هذا الحد؟!
أي دين؟!
واقتربوا من الدين..
وسعوا لمعرفته..
ودخلوا في دين الله “سبحانه وتعالى” أفواجاً..

***

سؤال هام..
هل لديك في دينك آية واحدة تدعوك إلى العنف والشراسة مع مَن يؤمن بغير دينك؟!
هل هناك عبارة واحدة صريحة تناديك أو تأمرك بأن تفعل ذلك؟!
هل هناك واقعة إسلامية تاريخية واحدة حدث فيها هذا؟!
هل فعلها رسولك الكريم صلى الله عليه وسلم؟!
هل فعلها أبو بكر رضي الله عنه؟!
أو عمر رضي الله عنه؟!
أو عثمان رضي الله عنه؟!
أو عليّ رضي الله عنه؟!

سيُدهشك أن الجواب سيأتيك عن كل الأسئلة السابقة بالنفي..
وسيدهشني أنا أن ينتفض البعض ويبدءون في إعادة تفسير كل آية، وكل حديث وكل موقف؛ فقط ليُثبِتوا العكس..
ليثبتوا أن ديننا الحنيف دين العنف..
والشراسة..
والغضب..
والانتقام..
وسيفعلون هذا دون أن يُدركوا أنهم بهذا يرتكبون خطأ رهيباً، يسيئون به إلى الدين، وهم يتصوّرون أنهم غيورون عليه..
فلو أثبتوا أنه دين العنف، فلماذا لم يتبع الرسول صلوات الله وسلامه عليه هذا المبدأ؟!
ولو أنه دين الشراسة، فلماذا كان أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- سمحاً، ولماذا صار عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أحنّ وأعدل أهل الأرض؟!

ولو أنه دين الانتقام، فلماذا عفا الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكفار؟!
لماذا؟!
ولماذا؟!
ولماذا؟!
لو أنهم طرحوا هذه الأسئلة على أنفسهم فسيدركون كم أخطئوا..
وستدركون أنتم كم أخطأتم..
أخطأتم عندما لم تتبعوا ما أمر به الله سبحانه وتعالى، مِن الحكمة والموعظة الحسنة، واتبعتم مَن قادهم غضب أعمى، أو غل أصم، عن طريق الهداية..
أخطأتم عندما أوقفتم عقولكم..
وعندما ألغيتم تفكيركم..
وعندما أطعتم بشراً مثلكم..
وبلا مناقشة..
أخطأتم عندما افترضتم الكمال لغير الخالق عزّ وجلّ..
عندما رأيتم أن هناك بشراً لا يُخطِئون..
ولا يتجاوزون..
ولا يتطرّفون..
أخطأتم عندما جعلتم العصمة ليست لله جلّ جلاله وحده..
وأخطأتم أيضاً، عندما تصوّرتم أنكم تستطيعون إيذاء مخلوقات الله سبحانه وتعالى؛ فقط لأنها تختلف معكم..
أو لأنها لا تؤمن بما تؤمنون..

نسيتم أن الله سبحانه وتعالى خلق الوحوش المفترسة، ويرزقها ويرعاها، على الرغم مِن خشيتكم منها..
رفضتم أن يكون قد خلقكم وخلق مَن تختلفون معه..
رفضتم الحكمة..
ونبذتم الموعظة الحسنة..
كنتم أفظاظاً غلاظ القلوب، متصوّرين أن غيرتكم على الدين تبيح لكم كل شيء، وأي شيء..

ولكن هل هذا صحيح؟!
هل يكفي أن تكون لديّ نية حسنة، حتى أسير في الأرض، فأؤذي كل مَن لا يتبعني؟!
لماذا لم يفعل المسلمون الأوائل هذا إذن؟!
لماذا لم يقهروا أصحاب الديانات الأخرى؟!
لماذا لم يُعذّبوهم؟!
لماذا لم يضطهدوهم؟!
لماذا لم يحظروا عليهم ممارسة شعائرهم؟!
هل لأنهم كانوا أقل إيماناً منكم؟!
أم إنكم أكثر إيماناً منهم؟!
ألم يكونوا يفهمون حقيقة دينهم؟!
أم إنكم فهمتم حقيقة دينهم؟!
أم إنكم فهمتم ما لم يفهموه؟!
أجيبوني لماذا؟!

إنهم لم يفعلوا هذا؛ لأن إيذاء النفس البشرية هو ذنب، لو جاء دون ذنب جنته..
والإيمان بما لا تؤمن به أنت ليس ذنباً..
أنت نفسك، لو وُلدت في أسرة بوذية، لكنت الآن بوذياً مخلصاً..
ولو وُلدت في أسرة تعبد الأشجار، لكنت من أخلص عبدتها..
الفارق الوحيد أنك وُلدت مسلماً..
ولا فضل لك في مولدك..
وإيمانك بدينك -لو أنه حقيقي- يحتم عليك طاعة هذا الدين، وتنفيذ أوامره، وربك ورب الدين ورب الكون كله عزّ وجلّ أمرك بالحكمة والموعظة الحسنة..
فهل تطيع؟!
أم ترفض؟!
هنا يكمن إيمانك الحقيقي..
أن تجاهد نفسك..
أن تصمّ أذنيك عن كل مَن يدعوك لما يخالف أمراً مباشراً لربك عزّ وجلّ، ويدفعك إليه..
أن تفكّر..
وتقرأ..
وتكون تلك آيات لمن يتفكّرون..
ولأولي الألباب..
ولقوم يعقلون..

ثم سل نفسك: لو أن نواياك كانت تكفي لإيذاء شخص ما، فهل ستضيع أنت حق هذا الشخص في الدنيا، ويضيع خالقه جل جلاله حقه في الآخرة؟!
ما الفارق إذن بينك وبين بهيمة تسير على غير هدى، وتؤذي كل ما تمر به، ومن تمر به؟!
ما الفارق؟!
المفترض أن الفارق بينك وبينها، هو العقل..
والتفكير..
والحكمة..

ثم إنه لا أحد سيؤمن فقط لأنك تطارده، وتقتله، وتهدده، وتمنعه من ممارسة شعائره، وإلا لآمن الناس بـ”البلطجيّة، والقراصنة، والسفّاحين، والجبابرة..”.
لا أحد سيؤمن إلا لو رأى في دينك ما يدعوه إلى هذا..
لو رأى الحكمة..
والهدوء..
والرحمة..
والعفو..
والسماحة..
تُرى هل دفعك الحديث السابق كله للتفكير؟!

***

مشكلة هذا العصر هي الضعف..
كلنا نشعر بالضعف، لسبب أو لآخر..
كلنا نشعر بالضعف..
وهذا أمر طبيعي..
ولكن ذلك يدفعنا إلى رغبة قوية في الشعور بالقوة..
من أي مكان..
وتحت أي لواء..

البعض بحث عن تلك القوة في منصب رفيع..
أو في مركز سياسي..
أو في قوة وسلطان..
أو في جبروت وطغيان..
والبعض بحث عنها في الدين..
والبحث عن القوة في الدين ليس بالأمر الخاطئ، بل هو خير صواب يقوم به البشر، ولكن حتى الدين يدعوك إلى القوة..
يدعوك إلى العِلم..
إلى الصواب..
إلى الحكمة..
ولكن من يشعر بالضعف، يتلهّف دوماً على نيل القوة، دون التفكير في التزاماتها، وتداعياتها..
يتلهف على نيل القوة..
وممارستها..
والشعور بها..
وأحياناً ما يكون في هذا هلاكه..

فلأنه يشعر بالضعف إزاء من يفوقونه، فهو يسعى للتجبّر على مَن هم أقلّ منه؛ أملاً في أن يمنحه هذا ذلك الشعور الذي يبحث عنه..
شعور القوة..
وهكذا، فهو يتلفّت حوله؛ بحثاً عمن هو أضعف منه؛ ليهاجمه، وينال بمهاجمته شعور القوة..
وعندما يكون دينه هو دين الأغلبية، فهو ينطلق، مدفوعاً بعقدة الضعف، لمهاجمة أديان الأقلية..
وبكل العنف..
والشراسة..
والتعصّب..
والغضب..
وغضبه عندئذ لا يشفّ عن غضب من أصحاب الديانات الأخرى، ولا حتى من اعتناقهم لها..
إنه في الواقع غضب من نفسه..
من ضعفه هو..
لذا فإننا نجد أن الغضب يزداد شراسة، عندما يُوجَّه إلى ديانات تعتنقها دول كبرى..
دول يشعر أمامها بالضعف..
والهزيمة..
والانكسار..

دول يغضب منها وتثور ثائرته بشدة، عندما يقرأ الأسطر السابقة، التي تشير إلى ما يشعر به تجاهها..
ومع ثورته، يسعى لإثبات أنه -وحتى أمام تلك الدول التي تفوقه عدة وعتاداً وقوة- لا يشعر بالضعف..
ولأنه يسعى لإثبات أمر، يُدرك هو نفسه خطأه، فهو يكون في محاولته هذه عنيفاً..
ثائراً..
شرساً..
وحشياً..

ثم إنه يبدأ في السعي لإثبات قوته..
ويختار في المعتاد هدفاً أضعف..
ويضرب..
وبكل رغبته في إثبات قوته..
ولأن المشكلة نفسية، فهو يسعى بكل جهده، ليجد في دينه ما يدعوه إلى فعل ما فعل؛ حتى لا يؤاخذه أحد على ما فعل، فيعاوده ذلك الشعور بالضعف، الذي يبغضه أشد البغض..

لهذا كان الجهاد الأعظم هو جهاد النفس..
لأن النفس أمّارة بالسوء..
وخدّاعة، من أجل السوء..
عندما تدفعك نفسك إلى إتيان عمل سيئ، فهي تجعلك تفعل المستحيل؛ لإقناع نفسك أنه عمل صالح..
وأنت بضعفك تعاونها على هذا..
وبدلاً مِن أن تبذل جهداً لإطاعة أوامر ربك “عزّ وجلّ” المباشرة، تبحث بجهد أكبر، عما يُثبت لك أنك على حق..
تبحث عن كل ما يجعلك تترك لنفسك العنان، تفعل ما تشاء، وقتما تشاء، وكيفما تشاء..

تسعى خلف ما ينفي جهاد النفس..
وتتنساق إلى هوى نفسك..
وتتحمّس له..
وتستسلم..
وتنتصر نفسك بهواها عليك..
وتخسر أنت..
ولكن المشكلة هي أنك تخسر، وفي أعماقك شعور زائف بالانتصار، وشعور أكثر زيفاً بالقوة..
ولأن الخطيئة ممتعة، ولهذا فهي لعبة الشيطان، فأنت تنتشي بهذا الشعور الزائف بالقوة، وتتشبث به، ويصبح بالنسبة لك نوعاً من الإدمان، ووسيلة لتأكيد ذاتك..
وهكذا فأنت تكرر خطيئة العنف..
وتكرر محاولة إثبات شرعيتها..
وتدور في تلك الدائرة المغلقة..
دائرة متعة القوة..
ومتعة العنف..
ومتعة خداع النفس..

وعندما يأتي شخص ما، ويحاول إقناعك بأن ما تفعله خاطئ، يُصبح بالنسبة إليك عدواً..
عدو يسعى لسلبك متعتك..
ولقهر شعورك الزائف بالقوة..
عدو يرفض ما تحبه..
وتعشقه..
وتُدمنه..
لذا فأنت تقاتله في عنف وشراسة، وتبحث عن كل الوسائل الممكنة؛ لإثبات أنه على خطأ..
وأنك على صواب..

وفي غمرة قتالك، من أجل نزعات نفسك الأمّارة بالسوء، ومن أجل متعة أدمنتها، تنسى أن تعود إلى دينك، وترى بما أمرك، وتميل إلى اتّباع كل مَن يخبرك أنك على حق، بغض النظر عن الواقع..
ولكن مهما قلت أو فعلت، ستأتي حتماً تلك اللحظة..
لحظة الحساب..
العادل..
الحقيقي..

***

اتّقوا مواطن الشبهات..
كلنا يحفظ هذه العبارة عن ظهر قلب..
ومعظمنا يرددّها..
وكثيرون يضعونها موضع التنفيذ..
سلباً فحسب..
فالواقع أننا لو طبقنا كل ما جاء في المقالات السابقة، على هذا المبدأ بالتحديد، لوجدنا أننا لا نضعه موضع التنفيذ في الواقع..

إننا أمام أمرين شديدي الأهمية والحيوية..
أن نتعامل مع معتنقي الديانات الأخرى في رفق، وندعوهم إلى ديننا بالحسنى والحكمة..
أو أن نتعامل معهم بعنف، ونمنعهم من ممارسة شعائرهم، التي تخالف شعائرنا..
وهناك احتمال لهذا أو ذاك، بغضّ النظر عن النسب..
فهناك من يرى أنه لا بديل عن الرفق..
ومن يرى أنه لا بديل عن العنف..
والبعض يرى نسبة الرفق تفوق نسبة العنف..
والعكس بالعكس..

ولدينا احتمالان لا ثالث لهما..
إما أن نتعامل برفق، ونكون بهذا قد خالفنا المطلوب..
أو نتعامل في عنف، ونكون قد خالفنا المنشود..
وفي بساطة، يمكننا أن ندرس الاحتمالين..
لو أننا اعتمدنا الرفق سبيلاً، ثم اتضح أننا قد أخطأنا، فإننا لن نكون من خلال خطئنا، قد آذينا الآخرين، أو أسأنا إليهم..
وبمعنى أدق، لم نرتكب ذنوباً، ونحن نسير في منهج، تبيّنا خطأه فيما بعد..
ولكن ماذا لو اعتمدنا العنف سبيلاً؟!

لو كشفنا بعدها أننا قد أخطأنا السبيل، فقد تركنا خلفنا كومة من ضحايا وذنوب..
عنفنا حتماً أساء إلى الكثيرين..
وآذى الكثيرين..
وربما أراق الدماء..
ويتمّ أطفالاً..
ورمّل نساءاً..
وقضى على أسر..
وحطّم مجتمعات..
وكل هذا، مهما كانت نوايانا، سيحمّلنا ذنوباً لا طاقة لنا بها..

هناك شبهات إذن، أن يكون عنفنا خطأ..
أو أن يكون رفقنا خطأ..
ولكن خالقنا عزّ وجلّ أمر بالحكمة والموعظة الحسنة..

الرفق والحكمة إذن هما الأقرب إلى الصواب..
أما العنف، ففيه شبهات..
فلنتّقِ إذن موطن الشبهات..
هكذا يقول العقل..
والمنطق..
وهكذا تقول الحكمة..

أما عن الموعظة الحسنة، فهي أمر لو تعلمون عظيم..
عظيم أن تعِظ..
والأعظم أن تكون موعظتك حسنة..

والموعظة الحسنة تبشّر ولا تهدّد..
تدعو للحب، لا للكره والبغضاء..

الموعظة الحسنة تنتقي كلماتها..
وعباراتها..
وحتى ابتسامتها..
ورفقها..

الموعظة الحسنة ليست غاضبة..
أو ثائرة..
أو مشتعلة..
أو مغتاظة..
إنها موعظة من ليس فظاً أو غليظ القلب؛ لأنه لو كان كذلك لانفضّ الناس من حوله، ولما أحبّوه، أو التفوا حوله..
ولما آمنوا بما يدعو إليه..
هل ترى فداحة هذا؟!

هل تدرك سوء أن تكون عنيفاً، متعصباً، شرساً؟!
هل تعلم كم يخسر دينك، إذا ما أسأت أسلوب الدعوة إليه؟!

إن لم تكن تعلم، فأنا أدعوك إلى أن تفكّر..
وتراجع..
وتبحث..
وتقرأ..

أدعوك إلى أن تطيع، ليس بشراً مثلي ومثلك، ولكن خالقي وخالقك وخالق البشر كله عزّ وجلّ..
أدعوك إلى أن تطيع ما أمر به..
أن تدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..
وأن تكون في حديثك ليّنا..
وفي حوارك هادئاً..
وفي تعاملك سهلاً..
وفي مواجهتك باسماً..
وفي حكمك عادلاً..
وفي حديثك واعظاً..
وفي تعاملك أميناً..
ومع غيرك رفيقاً..
ومتسامحاً..
ورحيماً..
أن تكون من الكاظمين الغيظ..
ومن العافين عن الناس..

أدعوك إلى ألا تكون فظاً أو غليظ القلب..
ألا تتعامل مع غيرك بالعنف..
أو الغضب..
أو الشراسة..
أو الحقد..

أدعوك ألا تمنع الآخرين من ممارسة شعائرهم..
وألا تغضب حينما يفعلون..

أدعوك إلى أن تنظر للجميع باعتبارهم بشراً..
وبأن ربك خلقهم..
ويرعاهم..
ويرزقهم..

وإذا ما اختلفت معهم، فادعُ لهم بالهداية..
وادعُ ربك أن يرشدهم السبيل..
وينير طريقهم..
ويهديهم من عنده..

وعندما يراك الناس هادئاً، متسامحاً، عادلاً رحيماً حكيماً، ويسألونك كيف هذا، قف وسطهم مبتسماً واثقاً، وأخبرهم أن دينك هو الإسلام..
وثق في أن هذا سيكون له عظيم الأثر..
يوم الحساب،،،

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s